التوجيه الجامعي

المهن التونسية المهددة بالذكاء الاصطناعي قبل 2030

today29/07/2026

Background

أهم النقاط

الذكاء الاصطناعي يحوّل مهمة بمهمة، لا يلغي مهناً كاملة بين ليلة وضحاها

مراكز الاتصال، الإدخال المحاسبي الأساسي والترجمة الموحدة من المهام الأكثر عرضة

المهن المبنية على علاقة إنسانية وحكم معقد (صحة، تعليم، حرف متخصصة) تقاوم الأتمتة أفضل

في مراكز الاتصال تحديداً، التهديد الأقرب زمنياً ليس الذكاء الاصطناعي بل تشريع فرنسي ينظّم التسويق الهاتفي

 

الحديث عن المهن المهددة بالذكاء الاصطناعي يثير قلقاً مشروعاً، لكن الذكاء الاصطناعي لا يلغي مهناً كاملة بين ليلة وضحاها، على عكس ما توحي به بعض العناوين المثيرة. إنه يحوّل، مهمة بمهمة، طريقة ممارسة بعض الوظائف، أحياناً حتى تقليص الحاجة الفعلية لعدد العاملين فيها بشكل كبير. في تونس، حيث ترتكز عدة قطاعات تحديداً على مهام متكررة وموحدة، يستحق هذا التحول أن يُنظر إليه بجدية، دون تهويل ودون سذاجة أيضاً.

كيف يستبدل الذكاء الاصطناعي الوظائف فعلاً ؟

الأتمتة تطال المهام الروتينية المبنية على قواعد واضحة، بينما تقاوم المهام التي تتطلب حكماً سياقياً أو إبداعاً أصيلاً.

تطال الأتمتة بالذكاء الاصطناعي في المقام الأول المهام الروتينية، القابلة للتوقع، والمبنية على قواعد واضحة : إدخال البيانات، الإجابة عن أسئلة متكررة موحدة، إنتاج محتوى بسيط. في المقابل، تقاوم المهام التي تتطلب حكماً سياقياً، علاقة إنسانية معقدة، أو إبداعاً أصيلاً، هذا التحول بشكل أفضل، على الأقل على المدى القصير والمتوسط. فهم هذا الفارق يتجنب قراءة ثنائية مبسطة للموضوع، حيث تُعتبر مهنة ما إما مهددة كلياً أو محمية كلياً، بينما الواقع يُقاس غالباً على مستوى المهام التي تشكل كل وظيفة.

أبرز المهن المهددة بالذكاء الاصطناعي في تونس

قطاع مراكز الاتصال من أكثر القطاعات عرضة، إذ أصبح جزء من التفاعلات البسيطة قابلاً للتكفل به آلياً.

يبرز قطاع مراكز الاتصال، المتطور بشكل كبير في تونس، من بين القطاعات الأكثر عرضة، إذ أصبح جزء معتبر من التفاعلات البسيطة مع العملاء قابلاً اليوم للتكفل به عبر أنظمة محادثة آلية. تخص هذه التحولات أيضاً الإدخال المحاسبي الأساسي، بعض المهام الإدارية المتكررة، وجزءاً من الترجمة الموحدة. لا يعني هذا بالضرورة اختفاء هذه المهن بشكل كامل، بل تراجع محتمل في حجم فرص العمل المتاحة على أبسط المهام التي تشكلها. حالة خاصة تستحق التفصيل : هل يهدد الذكاء الاصطناعي فعلاً المطورين التونسيين ؟

القطاعات التي تقاوم الأتمتة

الرعاية الصحية، التعليم الشخصي، تسيير المشاريع والحرف المتخصصة تقاوم الأتمتة بفضل الحكم المعقد والتكيف المستمر.

تقاوم المهن المبنية على علاقة إنسانية قوية، حكم معقد، أو تكيف مستمر مع أوضاع جديدة بشكل أفضل : الرعاية الصحية، التعليم الشخصي، تسيير المشاريع، أو الحرف اليدوية المتخصصة وبعض المهن الإبداعية ذات الطابع الأصيل. يبقى قطاع البناء والأشغال اليدوية المؤهلة أيضاً، إلى حد بعيد، غير قابل للأتمتة في تونس، على الأقل بالنسبة للمهام التي تتطلب تكيفاً مستمراً مع الميدان، صعبة التوحيد من طرف نظام آلي.

التحوّل المهني قبل فوات الأوان

الارتقاء بالمهارة على المهام ذات القيمة الأعلى ضمن المهنة نفسها أكثر واقعية من تغيير القطاع بشكل جذري.

لا يمر التحول الأكثر فعالية بالضرورة عبر تغيير القطاع بشكل كامل، بل غالباً عبر الارتقاء بالمهارة على المهام ذات القيمة الأعلى ضمن المهنة نفسها. يمكن لموظف مركز اتصال، مثلاً، أن يتطور نحو وظائف تسيير علاقة أكثر تعقيداً مع العملاء، أقل قابلية للأتمتة، بدلاً من إعادة التوجه بشكل جذري نحو قطاع مختلف تماماً. هذا المنطق التدريجي للارتقاء بالمهارة يبقى، في أغلب الحالات، أكثر واقعية وإمكانية من إعادة تحول جذري نحو مجال مختلف كلياً.

المهارات التي ستبقى دائماً ضرورية

التفكير النقدي، التعامل مع الغموض، الذكاء العلائقي والإبداع المطبق من أقل المهارات عرضة للأتمتة.

يبرز التفكير النقدي، القدرة على التعامل مع مواقف غامضة وغير موحدة، الذكاء العلائقي، والإبداع المطبق على مشاكل ملموسة، من بين المهارات الأقل عرضة للأتمتة على المدى القصير. في المقابل، يوفر مجرد تنفيذ مهام متكررة، مهما كان إتقانها جيداً، ضماناً متناقصاً للاستقرار المهني، ما يدعو كل مهني تونسي، بغض النظر عن قطاعه، إلى التساؤل بانتظام عن حصة كل نوع من هذه المهام في وظيفته الحالية.

واقع تبني الذكاء الاصطناعي في المؤسسات التونسية

تؤكد دراسة حديثة صادرة عن المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية أن وتيرة دمج الذكاء الاصطناعي في تونس أبطأ مما قد يوحي به الحديث الإعلامي عن الموضوع. فمن أبرز العوائق التي حدّدتها الدراسة : محدودية الموارد المالية (تشير إليها 70.9% من المؤسسات)، نقص المهارات الرقمية (63.3%)، ومقاومة التغيير داخل المؤسسة نفسها (58%)  وهي عوائق تنظيمية وبشرية بالدرجة الأولى، لا تقنية بحتة.

تكشف الدراسة أيضاً عن تفاوت واضح في مستويات الرقمنة بين الوظائف داخل المؤسسة الواحدة : تسجّل الوظائف الإدارية والإنتاج والمبيعات مستويات رقمنة أعلى، بينما تبقى إدارة الموارد البشرية وأنظمة المعلومات الأقل تحوّلاً رقمياً  ما يعني أن الأتمتة لا تتقدم بنفس الوتيرة حتى داخل المؤسسة الواحدة، فكيف بين قطاعات اقتصادية مختلفة.

فجوة أخرى دالة يكشفها المسح : ترى 86% من المؤسسات أن التقنيات الحديثة تدعم الابتكار، لكن 19% فقط منها نفّذت فعلياً نشاطاً ابتكارياً واحداً على الأقل، ولم تتجاوز نسبة المستفيدين من برامج الدعم العمومي للبحث والتطوير 11%. بعبارة أخرى، يسبق الوعي بأهمية التكنولوجيا تطبيقها الفعلي بفارق كبير.

وتصنّف الدراسة المؤسسات التونسية إلى خمس فئات حسب نضجها الرقمي : 40.1% منها ذات قدرة استيعابية هشة، و32.5% تملك إمكانات غير مستغلة، و13.7% فقط تستخدم التكنولوجيا لأغراض تشغيلية، بينما لا تتجاوز نسبة المؤسسات ذات النضج الرقمي المرتفع 7.8%. وتخلص الدراسة إلى أن الذكاء الاصطناعي لا يشكّل نقطة انطلاق للتحول الرقمي، بل عاملاً داعماً له، لا يُثمر إلا متى توفرت المقومات التقنية والتنظيمية اللازمة.

هذا الواقع يفسّر لماذا يبقى التهديد على المهن التونسية تدريجياً وغير متجانس بين المؤسسات : فمؤسسة ذات نضج رقمي مرتفع قد تُسرّع أتمتة بعض المهام خلال أشهر قليلة، بينما تحتاج مؤسسة أخرى، أقل استعداداً، سنوات كاملة للوصول إلى المرحلة نفسها.

المصدر : المعهد التونسي للقدرة التنافسية والدراسات الكمية (مؤسسة عمومية تابعة لوزارة الاقتصاد والتخطيط)، عبر African Manager — ar.africanmanager.com

 

أسئلة شائعة

س : هل ستختفي مهنتي بسبب الذكاء الاصطناعي في تونس ؟

اختفاء كامل وسريع يبقى نادراً، فالتحول يطال في الغالب مهاماً دقيقة داخل المهنة أكثر من المهنة بأكملها. الخطر الحقيقي يتعلق أساساً بنسبة المهام الروتينية والموحدة التي تشكل وظيفتك الحالية.

س : ما هي المهارات التي يجب تطويرها لمواجهة الذكاء الاصطناعي ؟

التفكير النقدي، العلاقة الإنسانية المعقدة، والقدرة على التكيف مع مواقف جديدة تبقى الأكثر مقاومة. من المفيد أيضاً تعلم استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي كرافعة إنتاجية بدلاً من اعتبارها تهديداً فقط.

الكاتب: Radio Express FM



Logo Express FM